أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

15

العقد الفريد

فمكث عندهم حينا ، ثم إن الأسود بن المنذر لما اعجزه أمره أرسل إلى جارات كن للحارث بن ظالم ، فاستاقهنّ وأموالهن ، فبلغ ذلك الحارث بن ظالم ، فخرج من الحين فاندس الحارث بن ظالم في الناس حتى علم مكان جاراته ومرعى إبلهنّ ، فأتاهنّ فاستنقذهنّ واستاق إبلهنّ ، فألحقهنّ بقومهنّ ، واندس في بلاد غطفان ، حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري - وهو أبو هرم الذي كان يمدحه زهير - وكان الأسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان وهي من بني غنم بن دودان بن أسد ، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا ، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان وهو في ناحية الشربة « 1 » ، لا يعلم سنان ما يريد ، وأتى بالسرج امرأة سنان وقال لها : يقول لك بعلك ابعثي ابنك مع الحارث ، فإني أريد أن استأمن له الملك ، وهذا سرجه آية ذلك . قال : فزيّنته سلمى ورفعته إليه فأتى به ناحية من الشربة فقتله ، وقال في ذلك : أخصيي حمار بات يكدم نجمة * أتوكل جاراتي وجارك سالم « 2 » علوت بذي الحيّات مفرق رأسه * ولا يركب المكروه إلا الأكارم « 3 » فتكت به كما فتكت بخالد * وكان سلاحي تجتويه الجماجم « 4 » بدأت بذاك وانثنيت بهذه * وثالثة تبيضّ منها المقادم قال : وهرب الحارث من فوره ذلك ، وهرب سنان بن أبي حارثة ، فلما بلغ الأسود قتل ابنه شرحبيل ، غزا بني ذبيان ، فقتل وسبي وأخذ الأموال ، وأغار على بني دودان رهط سلمى التي كان شرحبيل في حجرها ، فقتلهم وسباهم فنشط لذلك ، قال : فوجد بعد ذلك نعلي شرحبيل في ناحية الشربة عند بني محارب بن خصفة ، فغزاهم الملك ، ثم أسرهن ، ثم أحمى الصفا « 5 » ، وقال : إني أحذيكم نعالا فأمشاهم على ذلك الصفا ، فتساقطت أقدامهم ، ثم إن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري ، احتمل للأسود

--> ( 1 ) الشّربة : موضع بين السلسلة والربذة . ( 2 ) النجمة : واحدة النجم ، وهو من النبات ما لا ساق له . ( 3 ) ذو الحيات : اسم سيف الحارث . ( 4 ) تجتويه : لا يوافقها ( 5 ) الصفا : جمع الصفاة ، وهو الحجر العريض الأملس .